ثقافة قاوموا الاستعمار وواجهوا المجاعة: هكذا كان دور منظمات الفلاحين في تونس من 1945 الى 1956... بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
منظمات الفلاحين في مقاومة الإستعمار (1945-1956)
1- نحو توحّد النّضال المهني والنضال الوطني
عرفت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية دفعا كبيرا في تنظّم الفلاحين التونسيين في العمل النقابي والجمعياتي في ارتباط بتأثيرات الحرب وما خلّفته من دمار ونقص البذور ومشاكل التموين واستشراء السّوق السّوداء وارتفاع الضرائب وما انجرّ عن ذلك من سوء الحال وانتشار المجاعة خاصة في الوسط والجنوب سنوات 1945 – 1947 ونزوح الجياع نحو الشمال.
وبدفع خاصة من الحزب الحرّ الدستوري التونسي تكوّنت في 1 جوان 1946 "الجامعة العامّة للنّقابات الفلاحيّة التونسية" برئاسة أحمد نجاح خريّج مدرسة سمنجة للفلاحة وينوبه المحامي فتحي زهير وفي الكتابة العامّة محمد بن شعبان وفي أمانة المال علي الصغيّر.
وتكوّنت كذلك في 8 أفريل 1947 "الجامعة العامّة للفلاحة التّونسية" وانتخب المؤتمرون في الكتابة العامّة صالح يونس وكاهيته الحبيب المولهي و المهدي بن ناصر كأمين مال. وكانت التسمية لهذا التنظيم تأكيد في حدّ ذاته على الذّاتية التّونسية. وقد لعبت هذه الجامعة دورا كبيرا في لجان توزيع المواد والمعدّات الفلاحية على الفلاحين وفي الدفاع عنهم.
أمّا في 13 جوان 1947 حوّلت "الجامعة العامة للنقابات الفلاحية التونسية" إسمها إلى "الاتحاد العام للنقابات الفلاحية التونسية" لما تعنيه عبارة "اتحاد" من لحمة وطنية وإرادة في التفرّد الوطني ومجابهة الاستعمار.
وكانت مطالب مختلف هذه المنظمات تدور حول قضيّة الأرض (استرجاع الأرض أو ترسيمها أو توسيعها) والمطالبة بحفر الآبار وشقّ الطرقات وبناء المستشفيات والمدارس وتوفير القروض والعلف والحدّ من الضرائب والغرامات وكلّها تصبّ في ترسيخ الكيان التونسي.
وحتى ماي 1950 تاريخ تأسيس "الاتحاد العام للفلاحة التونسية" نجد الفلاّحين التّونسيّين فرادى أو في جمعياتهم ضمن كل المعارك التي خاضها الوطنيّون حيث حضر نوّاب عنهم في مؤتمر ليلة القدر (23 – 24 أوت 1946) الذي باشره نوّاب عن مختلف القوى الوطنية (200 نائب) ونادى باستقلال تونس كذلك وقف الفلاحون وهنا "الجامعة العامّة للفلاحة التونسية" يساندون العمّال في صفاقس في المجزرة التي أقترفت ضدّهم في 7 أوت 1947 وشاركت هذه الجامعة كذلك في "اللجنة التونسية للدّفاع عن السّلم" التي تكوّنت في ماي 1949.
وكان عطاء الفلاحين كبيرا كذلك في سنوات المجاعة التي ضربت البلاد خاصة سنتي 1946 و 1947 وتبرّعهم لمختلف لجان الإغاثة التي بعثت من القيروان إلى تونس لنجدة الجياع. كذلك كانت سنتي 1947 – 1948 سنتي التّضامن مع القضيّة الفلسطينية وكان الفلاحون التونسيون من المتبرّعين بسخاء لنصرة إخوانهم في فلسطين وتطوّع المئات منهم للقتال في الحرب ضدّ الصّهاينة ومنهم من استشهد على أرض فلسطين.
على كل سوف تكلّل نضالات الفلاحين ووعيهم بارتباط مصالحهم الخصوصيّة بحلّ القضية الوطنية ببعث "الاتحاد العام للفلاحة التونسية" في ماي 1950.
2- "الاتحاد العام للفلاحة التونسية" في المعركة الحاسمة
ارتقى وعي القاعدة الفلاّحية ليلتقي مع الاستراتيجية التي وضعها خاصّة الحزب الحرّ الدستوري التونسي بزعامة أمينه العام صالح بن يوسف والمتمثلّة في توحيد كلّ شرائح المجتمع وتنظيمها في اتحادات مهنية وغيرها لتكون قنوات تأطير ونضال وطني وخلق الفراغ حول السّلط الإستعمارية وتحييد المتعاونين معها. في هذا الإطار أتت فكرة توحيد كل المشتغلين بالأرض في منظمة واحدة عتيدة
حيث تكوّنت في 17 ماي 1949 هيأة وقتيّة (الرئيس : محمد الهادي بن ناصر، كاهيته: عبد العزيز الشابي، الأمين العام : ابراهيم عبد الله، كاهيته : الهادي المرابط، أمين المال : الجبيب المولهي، كاهيته: علي الحمّامي) نجحت في جمع المؤتمر التأسيسي "للإتحاد العام للفلاحة التونسية" أيام 11 و 12 و 13 ماي 1950 بتونس العاصمة وقد حضره عن الحزب الحرّ الدستوري الجديد كلّ من صالح بن يوسف وعلي البلهوان والهادي شاكر. وانتخب المؤتمرون الحبيب المولهي رئيسا للإتحاد وإبراهيم عبد الله أمينا عامّا له.
وأعلن الطابع الوطني لهذا الإتحاد من الوهلة الأولى حتى أنّ بطاقة الانخراط فيه تحمل هذين البيتين الشعريين الدّالين:
إنّما استقلالنا في أرضنا *** فاخدموها فهي ينبوع الغنى
واحرسُوها من دخيل أمّنا *** باذرا من بيننا زرع الفساد
وفعلا أصبح "اتحاد الفلاحة" كما يقول رئيسه الحبيب المولهي في مذكّراته (ص. 114) : "قوّة ضاربة حقيقية بأتمّ ما في الكلمة من معنى وممّا زاد هذه القوّة وزنا وفعاليّة أنّ غالبية الفلاحين الذين يكوّنون هيئات النّقابات الفلاحيّة التابعة للاتحاد كانوا في الوقت نفسه أعضاء بالشعب الدستورية وهيآتها في طول البلاد وعرضها بهذا صار الاتحاد منذ نشأته وكأنه حزب سياسي حقيقي (...) وفعلا لقد كان حركة سياسيّة في جوهره ومنظمة نقابية في ظاهره".
وهكذا استطاع الإتحاد أن يضمّ إليه كل الجمعيات والنّقابات الفلاحيّة ويغرس فروعه في كل جهات البلاد وحتى في التراب العسكري بالجنوب حيث تنوّه أرشيفات الجيش الفرنسي بدور مكاتب الإتحاد في هذه الجهات في بث الوعي الوطني . حيث تطوّر عدد النقابات فيه من 125 قبل المؤتمر التأسيسي إلى 300 في ماي 1951 وبلغ عدد منخرطيه في أواخر 1952 ما يناهز 250.000 منخرط وهو عدد يفوق حتى عدد منخرطي أقوى حزب سياسي في البلاد آنذاك أي الحزب الحرّ الدستوري الجديد الذي يقدّر منخرطوه بـ 200 ألف (وفي الواقع إنه كان هناك تداخل في صفة منخرطي التنظيمين) أو كذلك الإتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يجمع 55 ألف منخرط سنة 1951.
هذه القوة الضاربة سوف تدخل في نضالات مهنية وأخرى سياسية ويكون لها دور رئيس في المعركة الحاسمة في الخمسينات. ففي النضال المهني الذي لا يخلو من صبغة وطنية واضحة ركّز الإتحاد منذ تأسيسه على المطالبة : بتوزيع أراضي الدولة على التّونسيّين فقط، منح العروش حق الملكية على الأراضي الجماعية، توزيع أراضي الايطاليّين المحتجزة على التّونسيّين فحسب، المحافظة على أراضي الأحباس وحمايتها من التلاعب، اعانة الفلاحين بتوفير القروض وسلفات البذر واقتناء الآلات الفلاحية، حماية المنتوجات الفلاحية التونسية من المنافسة، إلغاء ضريبة القانون، نشر التعليم الفلاحي... وغيرها من المطالب المهنية التي تصبّ كلّها في ترسيخ الكيان وحماية أرض الوطن.
لكن الأهم في سنوات الخمسينات هذه هو أنّ الإتحاد، رغم طابعه المهني، ساهم مساهمة فعّالة في النّضال الوطني وتترجم مواقف قيادته وتحرّكات قواعده على ذلك . فمن بث الوعي الوطني لدى الفلاحين وغرس حبّ الوطن والدّفاع عن الأرض ونشر فكرة التّكافل والإتحاد والعمل الجماعي إلى اتخاذ المواقف.
ففي مؤتمره الثاني (بتونس من 24 إلى 26 سبتمبر 1954) طالب الاتحاد بمنح الشعب دستورا وبمجلس اقتصادي وطني منتخب وتأميم السّكك الحديدية والشركات الإستعمارية والغاء التشاريع العنصرية خاصة في الميدان العقاري ورفع حالة الحصار المضروبة على البلاد وحذف النظام العسكري على الجنوب التونسي والغاء المحاكم الفرنسية وتعريب الإدارة...
وشارك الإتحاد المنظمات القومية الأخرى (اتحاد الصناعة والتجارة، الإتحاد العام التونسي للشغل...) والحزب الحرّ الدّستوري الجديد في كلّ النّضالات ذات الطابع السياسي وخاصة في تلك الإضرابات العامّة التي شلّت الحياة في البلاد وبيّنت نجاح الوحدة القومية من ذلك الإضراب العام في 10 مارس 1951 تضامنا مع الوطنيين في المغرب الأقصى وضدّ القمع المسلّط عليهم واضراب 29 نوفمبر 1951 مساندة للمفاوضين التّونسيّين في باريس وضد معارضة الاستعماريّين في تونس واضـراب 21 – 23 ديسمبر 1951 ضدّ مذكّرة الحكومة الفرنسية لـ 15 ديسمبر الرافضة لحق تونس في الإستقلال والمقرّة لإزدواجيّة السّيادة فيها واضراب 1 فيفري 1952 احتجاجا على عمليّات التّمشيط والقمع التي استهدفت الوطن القبلي واضراب 1 أفريل 1952 ضدّ إجراءات القمع والحدّ من الحرّيات وتنديدا بايقاف أعضاء حكومة محمّد شنيق.
كما ساهم الإتّحاد بمواقفه وأنشطته في إفشال السّياسة الإستعمارية وكلّ المشاريع التي تقدّمت بها كمشاريع "اصلاحات" وفي الواقع كانت مشاريع لإجهاض الرّغائب الوطنية في الإستقلال من ذلك مشاركة "اتحاد الفلاحة" في لجنة الأربعين التي تكوّنت في 21 أوت 1952 وكان محمّد بالحاج ممثل الإتّحاد فيها والتي رفضت في تقريرها المرفوع للباي مشروع إصلاحات المقيم العام دوهوتكلوك كما رفض الإتّحاد شأن المنظمات الوطنية الأخرى إصلاحات المقيم العام فوازار في 4 مارس 1954 وساهم في إفشال الإنتخابات لمجالس البلديّات ومجالس الأعمال في ماي 1953 والتي نادت القوى الوطنية مجتمعة بمقاطعتها.
وقد دفع "الإتحاد العام للفلاحة التّونسية"، قيادات ومناضلين، غاليا ثمن كفاحه هذا لتحرير الوطن حيث اعتقل ودخل المحتشدات المئات منهم نذكر من القيادة محمد الحبيب المولّهي وابراهيم عبد الله وعمّار شوشان والصّادق خلف الله ويوسف بن لطيفة ورابح بن علي الصغيّر وعلي مدين بن محمود واستشهد الكثيرون خاصة في المقاومة المسلّحة واغتيل آخرون من اليد الحمراء شأن قادة الإتحاد الجهويّين التّالين : البشير الجزيري كاهية الكاتب العام لنقابة الفّلاحين بمنزل قابس ومحمد بن الحاج بشير بن فضل الكاتب العام لنقابة الفلاّحين المنتجين بمنزل تميم والأخوين علي والطّاهر حفّوز من الإتحاد المحلّي للفلاحة بسيدي عمر بوحجلة.